السيد محمد تقي المدرسي
19
الإنسان وآفاق المسؤولية
القرآنية الفذّة ؛ ومطالعة السنن الكونية بهذا الشأن . لقد تحدى النبي إبراهيم عليه السّلام مجتمع نمرود البابلي وشكّك في الثقافة الجاهلية الطاغية في ذلك المجتمع ، ( وَإِذْ قالَ إِبْراهيمُ لأَبيهِ آزَرَ أَ تَتَّخِذُ أَصْنامًا آلِهَةً إِنّي أَراكَ وَقَوْمَكَ في ضَلالٍ مُبينٍ ) ( الأنعام / 74 ) . وإزاء هذا التشكيك والتحدي الصارم كان أن آتى الله إبراهيم عليه السلام الجزاء الأوفى بقوله الكريم : ( وَكَذلِكَ نُري إِبْراهيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَاْلأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنينَ ) ( الأنعام / 75 ) . هذا الجزاء يحوي في طيّاته حقائق عدّة ؛ أولها : أن النبي إبراهيم عليه السّلام لم يصل إلى درجة اليقين لكونه نبيّاً ، وإنّما لأنه تمكّن من نقل نبوته من حيز النظرية إلى حيّز التطبيق ، حيث قام بفعل التشكيك والتحدي ، وهو لم يصل إلى درجة اليقين الروحي والعقلي إلّا بعد دحضه ثقافة الجاهلية المستشرية في مجتمعه . وثانيها : أن ملكوت السماوات والأرض ، قد لا يكون شيئاً مادياً ملموساً ، بل هو جوهر وجود الكون وسننه الإلهية . وثالثها : أنّ من دون فعل تحدي الجاهلية بثقافتها ورموزها يستحيل فهم حقائق الكون ؛ فضلًا عن اليقين بها . فالطريق إلى اليقين يكمن في تحدي أسباب الشكّ ، ومن أسباب الشكّ الطغيان والجاهلية التي تدفع الإنسان إلى الهزيمة الروحية والعقلية ؛ بل وحتى إلى الهزيمة المادية . ثم يبين القرآن الكريم كيف انتقل النبي إبراهيم عليه السّلام من الشك إلى اليقين ، وكيف أصبح ذا بصيرة